
ثورة..أولويات الأحزاب ليست أولويات الشعب د.محمد عبد القادر سبيل
ثورة..أولويات الأحزاب ليست أولويات الشعب
د.محمد عبد القادر سبيل
الحديث عن المدنية في السودان محض تدليس.
نحن شعب فيه الناظر ترك بمثابة (المرق)، إذا انكسر يتشتت الرصاص وينغلق الطريق والميناء والغذاء معاً، وإذا أذن في الناس الناظر مادبو فزع إليه اشتات العربان على كل ضامر يأتين من كل فج عميق.
بلد تضرب العنصرية الفرقة فيه اطنابها، وجبريل ومناوي يريدان الاستيلاء على الثروة والسلطة والجغرافيا النيلية أيضا بالسلاح والتمرد.
هذا هو الواقع، إذا ضجر أحدهم في لحظة حمل السلاح ضد الدولة والعقل والقانون وألقى باللائمة والمسؤولية على وهم اسمه: المركز.!
فبأي منطق وأي حق تتحدث النخب المخاتلة عن حقوق المجتمع المدني؟
أين هو هذا المجتمع المدني؟ وكم تبلغ نسبته الى مجموع الشعب التقليدي حتى نطالب بحقوقه التي تبذل من أجلها المهج؟.
قبل أربع عشرة سنة قلت الكلام ذاته للفريق مالك عقار تحت شجرة الحكومة في الدمازين، حينما كان والياً عليها.
قلت له اهلنا هنا مايزال بعضهم لا يجدون ما يسترون به اجسادهم من الإملاق ، لذلك فكرامتهم وحقهم إنما يتمثل في سترهم بالثياب التي لا يجدونها وبالسلام الذي ينقصهم وبالتعليم والعلاج والطرق التي يحلمون بها في اليقظة.
إنهم في بعض القرى يتمنون أن يصبحوا فقراء ككل بؤساء الدنيا ولا يجدون الى ذلك سبيلا.
كيف؟
أليس الفقير هو ذلك العامل او الفلاح او (الصنايعي) الذي له مصدر دخل محدود ويملك بيتاً متواضعاً من الطين، فيه مطبخ وحمام ونور وحنفية ماء وباب، وأولاده يذهبون الى المدارس المختلفة والى المركز الصحي؟
هذا الوضع غير متوفر في قرى النيل الأزرق. ففيم تطالب الثورات بأسبقية حرية الرأي والمعتقد وحرية التنظيم وديمقراطية ويست منستر الليبرالية. هل لأن مجتمعنا ليبرالي؟
هذه يا سيدي احلام النخب البورجوازية الصغيرة تريد ان تسود وان تستمتع عبر الدولة بترف ومزايا المجتمع الصناعي المتمدن.
إنها الخيانة النضالية بحذافيرها.
تماماً كمن يعبر بسيارة جاكوار خور بني شكو بمشقة.. لماذا؟
يقولون: إنه إرث إنساني راقٍ وعادل ومفضل في كل مكان لاقامة دولة القانون والمؤسسية.
أليس هذا كحال العريان الذي يلبس صديرياً ممتازاً لأن الناس المتحضرين يلبسونه؟.
بناء على ما تقدم، فإن القوى المدنية تريد أن تمتاز في مجتمع شدما يحتاج الى طاقات ابنائه المستلبين من اجل تحقيق الاستقرار والتنمية في ظل وفرة الغذاء والعلاج والبيئة المعافاة وفوق ذلك التعليم.
تخيل ترف وتناقض النخب حين تسعى لتطبيق الآيديولوجيات المعاصرة في هكذا مجتمع.
والاغرب أنها ءاتها ترتكس لتماس تخلفها من خلال التحالف كل مرة لإسقاط الحكومة تلو الأخرى: حكومة الثورة والحكومة المنتخبة وحكومة الوفاق الوطني وأية حكومة كانت، ما دامت هي ليست جزءا منها ولا تعبر عن رؤاها.
وما الحل؟
الحل يكمن في أن تقوم ثورة شعبية حقيقية عارمة، ضد كل هذه الاحزاب، لا تستثني منها احداً، وتفرض برنامجا نهضوياً محددا يلبي عشر أولويات ومطالب شعبية تلزم بها حكومة وطنية مستقلة _ كاملة الصلاحية _ لأجل إنفاذ هذا البرنامج على مدى عشر سنوات. ويكون الجيش حارساً وضامنا لإنفاذ هذا البرنامج:
١. استرداد ثروة الشعب بالكامل من يد الرأسمالية الطفيلية إلى يد الدولة وفي مقدمتها الذهب والثروة الحيوانية والحبوب الزيتية.
2. إلغاء نظام الديمقراطية الليبرالية الفاشلة، بناء على تجاربنا السابقة، والاحتكام الى نظام الديمقراطية التضامنية العادلة التي تقوم على نظام التمثيل النسبي وإلزام جميع القوى الفائزة بالمشاركة في السلطة التنفيذية وأيضاً في البرلمان، بمقدار نسبة ما احرزته من مجموع الاصوات. وذلك من اجل تحقيق استدامة الديمقراطية وشراكة الجميع في تحمل مسؤولية الدولة.
3. تحقيق جودة ومجانية الخدمات السبع: الأمن والتعليم والعلاج ونظافة البيئة والكهرباء والماء والسكن.
4. ضرب الفساد والتهريب بكافة صوره واشكاله بيد من حديد، عبر محاكم طوارئ ناجزة، والوصول به الى نسبة صفر (زيرو فساد) كما في ارتريا.
5. رفع مستوى الرواتب بحيث يكون الحد الادنى للاجور فوق خط الفقر الدولي ( دولاران في اليوم).
6. تبني رؤية وطنية تنموية وخطة استراتيحية كخطة السعودية ٢٠٣٠
7. العودة الى نظام تعليم بخت الرضا القديم ونظام المديريات القديمة ومنحها ٩٠% من مواردها و٩٠% من سلطتها ومناصبها مع منحها صلاحيات واسعة تمنع التكالب والتنازع على السلطة في الخرطوم.
8. إنشاء وزارة للتموين ترعى وتنظم سلسلة واسعة من الجمعيات التعاونية التي توفر كافة السلعة التموينية الاساسية بسعر التكلفة وبصورة دائمة كما كان الوضع في مصر خلال الستينات والسبعينات.
9. الغاء سياسة التحرير الاقتصادي وعودة الدولة الى الاستثمارات العامة وفي مقدمتها احياء مشروع الجزيرة ومشاريع توطين القمح بالكامل والوقود والمواد الغذائية الاساسية والملبوسات والادوية.
10. الغاء ٥٠% من الجبايات التي ترفع تكلفة السلع والاستعاضة عنها بالاستثمارات العامة التي تدر للخزينة ايرادات حقيقية وافية.
ونقول فوراً لمن يتساءل ساخراً: من أين سنأتي بتمويل لكل هذه المطالب؟. الاجابة هي أن احتكار الدولة لتصدير ١٠٠ طن ذهب وهذا تقدير واقعي _ إذا هزمنا تهريبه_ فإن عوائده السنوية تكون في حدود ١٠ مليار دولار وفق أسعار الذهب في الأسواق العالمية اليوم. وهذا مبلغ يفوق الموازنة المطلوبة لتمويل مطالب الشعب العشر المذكورة اعلاه.
زبدة القول: نحن الشعب السوداني في معظمنا مجتمع تقليدي، تعوزنا ابجديات الحياة المتحضرة التي ينبغي تحقيقها أولاً قبل فرض أسلوب تلك الحياة.
والواقع أن النخب الراهنة لا تملك ما يؤهلها لتحقيق هذا الشرط من انضاج المدنية في المجتمع، ولذلم يلجأون الى طول اللسان والنقد والاحتجاج، انتظارا لمن يحقق لهم امانيهم النخبوية.
نحتاج ثورة حقيقية ضد ثوراتهم الزائفة المدجنة.
والله يهدي الى سواء السبيل.
ملحوظة:
أنظروا الى تلكم المطالب العشر.. هل سمعتم حزباً يهجس بها يوماً، منشغلاً بهمومها ووسائل بلوغها أكثر من الصراع على السلطة والمحاصصات والمكايدات وتصفية الحسابات السياسية والوثائق الدستورية والاتفاقيات تلو الاتفاقيات؟
د. محمد عبد القادر سبيل
خبير اداري واقتصادي