
لماذا نخشى فشل وزير الثروة الحيوانية؟ د. محمد عبد القادر سبيل
لماذا نخشى فشل وزير الثروة الحيوانية؟
د. محمد عبد القادر سبيل
إن الاستثمارات التي تفسح لها الدولة المجال ليست غاية في ذاتها وإنما هي ادوات لزيادة الناتج القومي والمصلحة العامة وإلا فهي محض استنزاف واهدار للموارد من اجل نخبة من رجال الاعمال تشكل طبقة اوليغارشية انتهازية.
لقد جمعتني منصات إقتصادية سيبرانية بالدكتور أحمد التيجاني المنصوري وزير الثروة الحيوانية والسمكية الذي أكن له الاحترام استناداً الى نجاحة الباهر في شركة الروابي بدبي، وكنت ألح عليه دوماً بسؤالين أساسيين حيال طرحه المتعلق بالشروع المتحمس نحو إنشاء ( مدن الانتاج الحيواني) في الولايات المختلفة انطلاقا من ولاية نهر النيل التي هيأت له فعلاً مساحة ٢٣ ألف فدان لتقديم اول أنموذج متكامل وناجع لتلك المدن التي طالما بشر بها وينتظر ان تغير نوعياً وجه الاستثمار القومي وبالتالي تضاعف اسهام هذا القطاع الحيوي في حجم الناتج المحلي الاجمالي GDP والدخل القومي.
سؤالاي هما: كيف ستمول افكارك وماهو نصيب الشعب من الارباح المبتغاة؟
ظللت أسأله وكان يتجنب الإجابة عن السؤالين، ربما على اساس أن الصلاة فيها السر وفيها الجهر .
ولكن هل ياترى الشأن العام قابل لأن يدار سراً من جانب تجار وتكون النتيجة لصالح أحد سواهم؟الله أعلم.
سيدي الوزير، من اين ستأتي بالتمويل الذي يهيء للمشروع البنية الاساسية المستدامة المطلوبة بأفضل المواصفات العالمية ونذكر منها: المسالخ الأكثر حداثة من مسالخ الكدرو وكذلك امدادات الكهرباء الوافية و المستقرة و المياه الكافية لمدينة متعددة الأنشطة تقع على مسافة 50 كلم من النيل في أعماق البرية حيث مهاوى السيول خريفا والقفار الجرداء صيفاً ناهيك عن تكاليف الطرق والمطار والخدمات اللوجستية وشبكات التصريف فضلاً عن توفير البيئة الإيكولوجية المعافاة التي تجتذب المستثمر الاجنبي والأيدي العاملة الأجنبية الماهرة فهذه كلها ربما كانت مقدورا عليها في ولاية تمتلك مخزوناً كبيرا من الذهب ستكرسه حكومة نهر النيل لانشاء هاتيك المرافق والبنيات التحتية التي لا مندوحة عنها.
ولكن بعد ذلك من سيمول مشاريع القيمة المضافة للمنتجات الحيوانية التي سوف لن تصدر للخارج خاماً بعد هذه المدن المرتقبة، فهل ينوي السيد الوزير الاكتفاء بتخصيص مساحات من الارض المسطحة جيدا لرجال الأعمال السودانيين والمستثمرين الاجانب على سبيل المناطق الحرة كما فعلت من قبل حكومة الانقاذ بشأن توزيع مساحات من ارض (المدينة العالمية) على ضفاف شارع المطار بالخرطوم للسفارات الأجنبية أملاً في أن تبني فيها عجائب الدنيا فكانت النتيجة مخيبة جداً للأمال. من جراء أنه وببساطة: لا كهرباء مستدامة لا مياه وخضرة وأمن ثم اين السياح والمهرجانات الجاذبة بما يوفر الجدوى الاقتصادية عموما؟ فالاستثمار ليس لعباً.
مهما يكن، فإن كل ما سبق ليس هو ما يهمنا، فلربما كان الدكتور المنصوري متأكدا من وفرة التمويل المتعلق بتلك البنيات الاساسية الضرورية لأي استثمار، فهي وحدها التي ستشجع المنتجين النوعيبن الذين يملكون رؤوس الأموال الكبيرة وبالعملة الصعبة.
ولكن ما يهمنا في الحقيقة هو: نصيب حكومة السودان من هذه الفعالية الاقتصادية الجبارة؟
هل هنالك صيغة تعاقد واضحة ومنجزة من جانب الوزارة ستفرضها على المستثمرين وتنص على اثبات نسب محددة من ارباح المشروع سواء بالعملة الأجنبية من الصادرات او المحلية من تلقاء المنتجات التي توزع داخليا لصالح الدولة؟
أم ان وزارة الثروة الحيوانية ستجتهد وتثير كل هذا الضجيج من اجل زيادة ثراء المستثمرين الاجانب والمحليين مقابل ضرائب مشكوك في أمر تحصيلها في ظل اعفاءات الاستثمار وبالتالي تكون حكومة السودان قد اجتهدت كل هذا الاجتهاد مشكورة من اجل عيون رجال الاعمال الذين سيصدرون تلك المنتجات ثم يهربون بحصائل الصادر كما هو معتاد.
فأين (حق الشعب السوداني) من هذه الخطة التنموية يا وزير الشعب؟.
كم بالضبط نصيب حكومة السودان التي تعاني اصلاً من شح النقد الاجنبي؟
إن هذا الجانب غامض ومستتر لا يأتي السيد الوزير على سيرته في تصريحاته المتكررة ونظن انه إذا كشف النقاب عنه فإما ان المستثمرين سينصرفون بحكم جشعهم المعهود او ان شرفاء الشعب السوداني سيضطرون لفتح بلاغ في المحكمة ضد اختطاف الموارد وثروة الشعب لصالح رجال الأعمال الذين ينتمي إليهم السيد الوزير ضارباً بعرض الحائط مصلحة البلاد المتمثلة في الايرادات العامة بالعملة الاجنبية من تلقاء هذا البرنامج الاستثماري الذي سيستنزف الأرض والمياه الجوفية والثروة الحيوانية وجهود موظفي الوزارة والولايات بلا طائل.
إذا فعدم الافصاح بخصوص شروط التعاقد مع المستثمرين وحجم وطريقة تحصيل نصيب الدولة العادل من هذا الاستثمار الضخم ليس في مصلحة المشروع بل ربما سيفشله ولا في مصلحة السيد الوزير نفسه وقد توسم الشعب فيه خيرا لأنه سيبدو كالمتضامن معهم_ لا سمح الله _ موظفاً المنصب لخدمة الرأسمالية الطفيلية سواء الأجنبية أو المحلية وإذا ثبت بالفعل ان حكومة السودان ليست شريكا أصيلاً ذا نسبة معلومة من راس المال والارباح بالعملة الاجنبية قبل المحلية بوصفها مالكة للأرض والموارد والخدمات فذاك سيعنى حتما فشلاً وخيبة امل لا محالة.
(الله يكضب الشينة).
د. محمد القادر سبيل
خبير اداري وباحث اقتصادي