مقالات

وزير الداخلية والإعلام الوطني… لماذا تُفتح الأبواب للوفد الإعلامي الأجنبي وتُغلق أمام الصحفي السوداني؟

بقلم: محمد عثمان الرضي

الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض الأمن، وإنما كذلك بقدرتها على احترام حق المجتمع في المعرفة. والإعلام الوطني ليس خصماً للدولة، بل هو مرآتها، وكلما اقترب من مصادر القرار، ازدادت الصورة وضوحاً أمام المواطنين.

✦ خلال الأيام الماضية كنت بالعاصمة القومية الخرطوم، والتقيت بعدد من قيادات الصف الأول في مجلس السيادة ومجلس الوزراء، ووجدت لدى بعضهم انفتاحاً يعكس فهماً عميقاً لقيمة الإعلام في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ السودان.

✦ وكانت رغبتي أن ألتقي وزير الداخلية الفريق شرطة بابكر سمرا، والمدير العام لقوات الشرطة الفريق أول شرطة أمير عبدالمنعم فضل، لأن وزارة الداخلية تقف اليوم في واجهة معركة لا تقل أهمية عن معركة الميدان، وهي معركة استعادة ثقة المواطن في مؤسسات الدولة.

✦ سلكت الطريق الرسمي كاملاً، وتوجهت إلى مكتب الناطق الرسمي باسم قوات الشرطة العميد شرطة فتح الرحمن التوم، طالباً تحديد موعد وفق الإجراءات المؤسسية المتعارف عليها.

✦ تلقيت تطمينات متكررة بأن الأمر سيتم، وأن التنسيق جارٍ، لكن الأيام مضت، ولم يتحقق شيء سوى المزيد من الوعود.

✦ هنا لا أتحدث عن تجربة شخصية، وإنما عن واقع يواجهه كثير من الإعلاميين السودانيين حين يصبح الوصول إلى المسؤول رحلة طويلة، بينما يفترض أن يكون أمراً تنظمه مؤسسات الدولة بكل يسر ووضوح.

✦ إن وظيفة الناطق الرسمي لا تُقاس بعدد البيانات التي يصدرها، وإنما بقدرته على بناء جسر حقيقي بين القيادة والإعلام، وتحويل شعار «الأبواب المفتوحة» إلى ممارسة عملية يلمسها الجميع.

✦ فحين يعجز مكتب التواصل عن تحقيق التواصل، تصبح المراجعة ضرورة، لأن نجاح أي مؤسسة يبدأ من كفاءة أدواتها.

✦ لا أحد ينكر أن قوات الشرطة تؤدي أدواراً وطنية عظيمة في بسط الأمن، وحماية المواطنين، وفرض هيبة الدولة، وكانت من أوائل المؤسسات التي عادت إلى الخرطوم بعد تحريرها، وهو إنجاز يستحق كل الإشادة.

✦ لكن المؤسسة التي نجحت في استعادة حضورها على الأرض، مطالبة أيضاً بأن تستعيد حضورها في فضاء الإعلام، لأن المعركة ضد الشائعات لا تُكسب بالصمت، وإنما بالمعلومة.

✦ لقد أثبتت التجارب أن المعلومة التي تتأخر، تسبقها الشائعة، وأن الباب المغلق يفتح ألف باب للتأويل.

✦ ولهذا لا يزال كثير من الصحفيين يستذكرون تجربة وزير الداخلية السابق الفريق شرطة خليل باشا سايرين، الذي أدرك مبكراً أن هيبة المنصب لا تتعارض مع انفتاحه على الإعلام.

✦ كان هاتفه مفتوحاً، ومكتبه مفتوحاً، وكانت المعلومة تصل بسهولة، فاختفت الحواجز بين الوزارة والرأي العام.

✦ لم يخسر الرجل هيبته، بل كسب احترام الجميع، لأن المسؤول الواثق من مؤسسته لا يخشى السؤال، ولا يضيق بالحوار.

✦ أما الذي يثير الاستغراب، فهو أن وزير الداخلية استقبل خلال الأيام الماضية وفداً إعلامياً سعودياً، وفتح له أبواب مكتبه، وأتاح له الوقت الكافي لإجراء اللقاءات والحوارات.

✦ ولا أحد يعترض على ذلك، بل نرحب بكل إعلام عربي أو أجنبي ينقل الصورة الحقيقية للسودان.

✦ لكن يبقى السؤال الذي لا يجوز القفز فوقه: لماذا يحظى الإعلام الأجنبي بسهولة الوصول، بينما يظل الإعلام الوطني ينتظر موعداً قد لا يأتي؟

✦ أليس الصحفي السوداني هو الأحق بأن يكون أول من يستمع إلى مسؤولي بلاده؟

✦ أليس الإعلام الوطني هو الأكثر التصاقاً بقضايا المواطنين، والأقدر على مخاطبة الرأي العام السوداني؟

✦ لقد ظل الصحفي السوداني في الميدان يوم غابت مؤسسات كثيرة، وتحمل مخاطر الحرب، ونقل الحقيقة في أحلك الظروف، ولم يغادر موقعه حين كانت البلاد تمر بأقسى امتحاناتها.

✦ ولذلك فإن احترام الإعلام الوطني ليس مجاملة، وإنما اعتراف بدوره الوطني.

✦ إن المسؤول الذي يفتح مكتبه للإعلام الخارجي، مطالب بالقدر نفسه أن يفتح أبوابه للإعلام الوطني، لأن بناء الصورة في الداخل يسبق تحسينها في الخارج.

✦ والمؤسسات لا تُقاس بعدد البيانات التي تنشرها، وإنما بمدى استعدادها للاستماع إلى أسئلة الصحفيين والإجابة عنها.

✦ إن وزارة الداخلية تملك من الإنجازات ما يجعلها قادرة على مخاطبة الرأي العام بثقة، ولذلك فإن الانفتاح على الإعلام لا ينبغي أن يكون استثناءً، بل سياسة ثابتة.

✦ السودان اليوم بحاجة إلى شراكة جديدة بين الدولة والإعلام، قوامها الاحترام المتبادل، وسهولة الوصول إلى المعلومة، والاعتراف بأن الصحافة الوطنية جزء من منظومة بناء الدولة، لا مجرد متلقية للبيانات.

✦ الرسالة التي نبعث بها إلى السيد وزير الداخلية ليست رسالة عتاب شخصي، وإنما دعوة لمراجعة آليات التواصل داخل الوزارة، حتى لا تتحول الحواجز الإدارية إلى حواجز بين الدولة ومواطنيها.

✦ وأحسب أن الوزير، وهو يقود واحدة من أهم الوزارات السيادية، يدرك أن قوة المؤسسة لا تكتمل بالانتشار الميداني وحده، وإنما تكتمل أيضاً بحضورها الإعلامي، وبقدرتها على مخاطبة شعبها دون وسطاء أو حواجز.

✦ ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة بالفعل لا بالقول: كيف يمكن إقناع المواطن بأن مؤسساته تؤمن بحق المعرفة، إذا كان الصحفي السوداني يجد أبواب المسؤولين أكثر صعوبة من الوفود الإعلامية القادمة من الخارج؟ إن الدولة التي تثق في شعبها، تثق أولاً في إعلامها الوطني، وتمنحه المكانة التي يستحقها، لأن احترام الصحافة الوطنية ليس مكسباً للصحفي، وإنما عنوان لاحترام الدولة لنفسها، وثقتها في مؤسساتها، وإيمانها بأن الكلمة الصادقة هي الشريك الأول في حماية الوطن، تماماً كما يحميه رجال الشرطة في الميدان.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى