
أفكار لميس أدهم طبل العز .. عندما يتحدث التراث حين يتكلم التراث… يصمت التعصب
أفكار
لميس أدهم
طبل العز .. عندما يتحدث التراث
حين يتكلم التراث… يصمت التعصب
ليست كل الحلقات تمر مرور الكرام، فبعضها يترك في النفس أثرا لا يزول. ومن بين تلك الحلقات، كانت حلقة برنامج “طبل العز”، التي استضاف فيها الشاب المثقف الاستاذ الشاذلي الفنوب الباحث في الفن الشعبي والتراث السوداني الأستاذ خالد الشيخ حاج محمود في حوار ثري أعاد قراءة تاريخ التراث الغنائي السوداني، وكشف عن كنوزه الثقافية والإنسانية.
استهل الأستاذ خالد الشيخ حديثه بتحية للشعب السوداني على امتداد الوطن العريض. وكانت تحية بليغة في معناها قبل ألفاظها؛ فالسودان ليس رقعة جغرافية فحسب، بل وطن اتسع للثقافات، وتعددت فيه البيئات، وتجاورت فيه اللهجات، حتى غدا تراثه لوحة لا يكتمل جمالها إلا بتآلف ألوانها.
جاءت الحلقة لتؤكد أن الأغنية السودانية لم تكن يوما مجرد لحن يُطرب الآذان، بل كانت وثيقة تحفظ التاريخ، وتسجل المواقف، وتنقل قيم المجتمع من جيل إلى جيل. وتوقف الأستاذ خالد الشيخ عند أغاني الفخر والحماسة، ذلك اللون الذي يعد من أميز مواعين التراث السوداني، وأضاء بإتقان الدور العظيم الذي اضطلعت به المرأة السودانية في صياغة شعر الحماسة، إذ لم تكن مجرد شاهدة على البطولات، بل كانت صانعة لها بالكلمة، وحافظة لها بالقصيدة، حتى أصبح هذا الإرث من أندر الكنوز الثقافية التي ينفرد بها السودان.
ومن أمتع محطات الحديث حديثه عن الإدارات الأهلية، ذلك البناء الاجتماعي الذي أسهم لعقود طويلة في حفظ السلم المجتمعي، وترسيخ قيم الحكمة والتكافل والإصلاح بين الناس، قبل أن تكون الدولة الحديثة بمؤسساتها.
لكن أكثر ما أسرني في الحلقة، بل لعلها اللحظة التي اختزلت رسالتها كلها، كان حديث الأستاذ خالد الشيخ عن قصة أغنية “عيال أب جويلي”. فقد ذكر أن الفنان الكبير محمد الأمين أبدى تخوفه من أداء الأغنية، خشية أن يُساء فهمها من أهلنا في غرب السودان، باعتبار أن اللصوص الذين اعتدوا على عيال أب جويلي كانوا من تلك الديار.
وهنا جاءت إجابة الأستاذ خالد الشيخ، في جملة قصيرة، لكنها تصلح أن تُكتب بماء الذهب: “اللص ليس لديه قبيلة.”
كم من الخصومات كان يمكن أن تنتهي لو وعينا هذه الحقيقة. وكم من الفتن ما كانت لتشتعل لو أدركنا أن الجريمة لا تُورَّث، وأن الفضيلة لا تُحتكر، وأن الإنسان يُحاسب بفعله لا بانتمائه. فالخير لا قبيلة له، كما أن الشر لا ينتسب إلى قبيلة، وإنما يسكن النفوس أو يغادرها بحسب ما تختار.
في زمنٍ كثرت فيه الأحكام الجاهزة، وأصبح بعض الناس أسرع إلى تعميم الخطأ من إنصاف الأبرياء، جاءت هذه العبارة لتعيد الأمور إلى نصابها، ولتذكرنا بأن السودان لم يبنِ تاريخه على القبائل المتنافرة، بل على التنوع الذي ظل مصدر قوته وثرائه.
خرجت من هذه الحلقة وأنا على يقين بأن التراث ليس حكايات عن الماضي، ولا أغنيات نرددها في المناسبات، بل هو مدرسة في الأخلاق، ومخزن للحكمة، وذاكرة تحفظ للأمة ملامحها حين تعبث بها الأزمات.
كل التقدير للاستاذ الشاذلي الفنوب على هذا التقديم الهادئ الواعي، وللباحث الأستاذ خالد الشيخ على هذا السرد العميق الذي لم يكتف بتوثيق التراث، بل أحسن قراءة رسائله، وأثبت أن الثقافة الحقيقية ليست فيما نحفظه من الأغنيات، وإنما فيما نتعلمه منها من قيم تُقرب بين الناس، وتنتصر للإنسان قبل أي انتماء.