الأعمدةوجع ضرس

الصداقة التي هزمت “البذلة العسكرية”

وجع ضُرس
عبد الكريم محمد فرح

لطالما آمنتُ بما قاله أحد الفلاسفة: “الشرطة جهازٌ رقابيٌ لتسيير الحياة اليومية وضبطها، وليست سلطةً تعلو على إنسانيتنا”.
ولذلك كان لديّ موقفٌ رماديّ صارم تجاه القوات النظامية؛ فلم أرَ في رتبهم ما يعلو بها فوق هذا الحدّ. لم أخالطهم، ولم تكن لديّ يوماً رغبةٌ في بناء جسور صداقة معهم بصفاتهم الوظيفية. وإن وُجدت صداقاتٌ متفرقة مع عددٍ من منسوبي هذه القوات، فلم تكن يوماً لأنهم ضباط، بل لأنهم أصدقاءٌ نبلاء فحسب.

حتى جاء أحمد محمد عبد الله أبو زيد “التمار”، ليصنع الاستثناء الوحيد، ويخترق هذا الجدار الصلب؛ لا لكونه رجل شرطة، بل لأنّ صلاتنا الأولى وُلدت من رَحِمٍ إنسانيٍّ خالص، بعيداً عن “رحم المؤسسة”. فشكلُ العلاقة لا يمتّ للمؤسسة الشرطية بأي صلة.

أحمد لم يكن مجرد صديقٍ عابر، بل كان “عرّابي” في عالمٍ أجهله تماماً. ومنذ أن وطّدت الأيام علاقتنا، أخذ بيدي ليقدمني إلى عالمه، ويمسح تلك النظرة النمطية من مخيلتي. فتعرفتُ عبره على منسوبي الشرطة وقياداتها، وصرتُ بفضله خبيراً بـ”الرتب والدفعات”، وأجيد قراءة ما وراء الشارات العسكرية.

والمفارقة هنا، أنني رغم هذا التوغل والاندماج، ظللتُ في نظره ونظرهم زول “ملكي شديد”؛ لأنني ربما أتحدث بقلبي قبل عقلي، وأنطق بالكلمة ثم أفكر فيها. ورغم تلك الفوارق، عاشرتهم وعرفت طباعهم حتى أطلق عليّ ضباط البوليس لقباً بات يسبق اسمي: “عبد الكريم صاحب تمار”.

بيني وبين هذا الرجل قصصٌ ومواقف عتيقة، وتفاصيل لا تتسع لها دفاتر الحياة اليومية ولا ترويها السجلات. إنه قادمٌ من عالمٍ مختلف، يحمل في طباعه وداعة وسكينة مواطن “جزيرة توتي”، تلك البقعة النيلية التي أعشقها دون أسبابٍ واضحة، وأحياناً تقلة الدم ودماكة إنسان الشمالية.

تمار امتدادٌ لبيتٍ سودانيٍّ أصيل، مبنيٍّ بناءً وجدانياً؛ بدءاً من والدته المربية الفاضلة والمعلمة الأستاذة إقبال، ووالده العم المبجل محمد عبد الله، مروراً بأخواته تسنيم وتسابيح، وصولاً إلى الصغير “سادن” الذي يرى في خاله قدوة. وبهذا تحول أحمد من صديقٍ شخصي إلى فردٍ من العائلة. تعرفه أسرتي بكاملها وتكنّ له أعمق الود، وأبي يطلق عليه: “صحبك الضابط الما عندو حاجة لأي زول”، في رمزية لعدم اكتراث تمار بالونسة الرسمية.

أعلم جيداً أن “التمار” ليس بالمستمع المثالي؛ ففيه تلتئم تناقضات الطبع العسكري مع “دلع الولد الواحد” المدلل في بيته. وكيف لا، وهو الذي مازحني والده يوماً قائلاً: إن والدته “الأستاذة إقبال” كانت من فرط محبتها تكتب له الواجبات المدرسية بخط يدها! لذلك، فهو شخصٌ ملول قد يضيق بالتفاصيل. ويقول وائل صديقه، عفواً الرائد وائل: “عاوز تحافظ على صداقتك مع تمار، ما تضغطه”. لكنه معي يرتدي ثوباً آخر؛ يُصغي لي بشغف، ويصبر على ثرثرتي الممتدة، ويحتمل تدفق أفكاري وجنوني الإبداعي ببالٍ طويل وصدرٍ رحب لا أجده عند غيره.

اليوم، يسقط لقب “النقيب تمار” الذي رددته، وسجلته بهاتفي لسنواتٍ طويلة. سأدخل إلى الأسماء الآن لأعدّل الاسم والصفة، ليرتقي صديقي رسمياً ويصبح “الرائد أحمد محمد عبد الله أبو زيد تمار”، منضماً إلى زمرة “الضباط العِظام”.

إنها رتبةٌ لا تزيده شرفاً، بل هو من يمنح البذلة العسكرية شرف العفوية، والنقاء، والوفاء. مباركٌ لك يا صديقي المفصلي، ومباركٌ لنا هذا الصعود الذي يليق بنبل قلبك وروحك الوادعة كالنيل في توتي.

الصورة
ملكية شديد 🤭

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى