الأعمدة

أفريقيا في الطريق من التحرير والتغيير إلى التعمير والتطوير سعد محمد عبدالله

أفريقيا في الطريق من التحرير والتغيير إلى التعمير والتطوير

سعد محمد عبدالله

خاضت الشعوب الإفريقية نضالًا طويلًا عبر تاريخها الحديث من أجل التحرر من قيود الإستعمار بمختلف أشكاله، حيث واجهت أنظمة هيمنة لم تكتفِ بالسيطرة السياسية، بل عملت على تفكيك البُنى التقليدية للمجتمعات، وإستنزاف مواردها الطبيعية والبشرية بصورة ممنهجة، وإستلاب حقوقها السياسية والمدنية بفرض وصاية عليها، ومع إنطلاق مسارات الإستقلال، إنتقلت العديد من الدول من قبضة الإستعمار الخارجي إلى أنماط حكم وطنية لم تخلُ من الأزمات الداخلية وإنتهاكات حقوق الإنسان، إذ تشكّلت في بعض الحالات أنظمة سلطوية قامت على تحالفات معقدة بين مراكز القوة السياسية والإقتصادية والثقافية، مما أدى إلى إحتكار السلطة والثروة وتهميش قطاعات واسعة من الشعوب، ويُنظر لذلك في السودان تحت عنوان صراع المركز والهامش، وفي خضم هذه التحولات، إستمرت بعض هذه الأنظمة في الإرتباط غير المباشر بمصالح قوى خارجية تتحكم في سياساتها وقراراتها السيادية، وضمنت لها الحماية والدعم مقابل إستمرار تدفق الموارد، ومع ذلك؛ لم تتوقف مسيرة الشعوب الإفريقية، حيث ظهرت حركات تحرر وطني إعتمدت على أدوات متعددة، من الكفاح المسلح إلى النضال المدني والعمل الدبلوماسي، وتمكنت في كثير من الحالات من إحداث تغييرات جوهرية، سواء عبر إسقاط أنظمة دكتاتورية قائمة أو فرض إصلاحات سياسية تحت ضغط الجماهير؛ غير أن هذه التحولات تطرح اليوم سؤالًا جوهريًا حول مدى إنعكاسها على واقع الشعوب، خاصة في مجالات الإستقرار والتنمية ونشر المعرفة، وهو سؤال لا يزال مفتوحًا ويستدعي مراجعات عميقة لتجربة ما بعد الإستقلال.

تمتلك القارة الإفريقية ثروات هائلة ومتنوعة، تشمل الموارد الزراعية والحيوانية والسمكية، إضافة إلى الغابات والمعادن والنفط، وهي عناصر كان من الممكن أن تجعلها في مصاف الإقتصادات الصاعدة عالميًا؛ إلا أن هذه الإمكانات لم تُستثمر بالشكل الأمثل، نتيجة لعوامل متعددة، من بينها الإضطرابات الأمنية، وضعف الإستقرار السياسي، وتوسع الفساد المالي والإداري، وإستمرار تأثيرات التبعية الإقتصادية للمحاور الدولية، وقد ساهمت التحولات العالمية التي سجلها التاريخ، منذ الحربين العالميتين وحتى يومنا هذا، في إعادة تشكيل علاقات القوة وتحديد مواقع النفوذ العالمي، مما أبقى العديد من الدول الإفريقية في موقع التلقي بدلًا من الفعل، ومع ذلك؛ بدأت ملامح وعي إفريقي جديد تتشكل، عاكسة رغبة متزايدة في إستعادة القرار الوطني، ونسج وشائج الوحدة على أساس التنوع، وطرح حلول جادة من داخل إفريقيا لأزمات إفريقيا، وتحديد الأولويات بعيدًا عن الإملاءات الخارجية، وقد عبّر عن هذا التوجه عدد من القادة الأفارقة الذين مروا عبر التاريخ، والذين دعوا إلى التفكير للتغيير والتحرر وبناء نماذج تنموية مستقلة تقوم على إستثمار الموارد المحلية وتعزيز التكامل الإقليمي؛ كما تتجلى أبعاد هذه الرؤية في مواقف معاصرة تؤكد ضرورة صياغة أجندة أمنية وتنموية تنبع من داخل أروقة المؤسسات الإفريقية الحرة، وتستجيب لإحتياجات شعوبها، بدلًا من الإرتهان لرؤى خارجية لا تعكس الواقع الإفريقي ولا تعبر عن تطلعات شعوبه، وهذا التحول في الوعي يمثل خطوة مهمة نحو إعادة تعريف موقع إفريقيا في خارطة النظام الدولي، ويعزز من فرصها في تحقيق تنمية مستدامة قائمة على أسس عادلة ومتوازنة تحقق أهداف النهضة الإفريقية.

إن الإنتقال الحقيقي من مرحلة التحرير إلى التعمير والتطوير في إفريقيا يتطلب تبني مقاربات جديدة تقوم على إنهاء التبعية السياسية والإقتصادية، وإعادة بناء جسور الثقة بين الدولة والمجتمع من خلال إصلاح أنظمة الحكم وتعزيز الشفافية والمساءلة؛ كما يستلزم ذلك إعادة الإعتبار للسيادة الوطنية وللموارد الذاتية، وتوجيهها نحو تفعيل آليات الإنتاج من خلال مشاريع تنموية حقيقية تسهم في تحسين مستوى المعيشة، وتوفير فرص العمل، ودعم التعليم والبحث العلمي ومراكز الإستنارة، وفي ظل التحديات المتزايدة التي يشهدها العالم من حولنا، يصبح من الضروري أن تتبنى الدول الإفريقية سياسات متوازنة تحمي مصالحها الوطنية دون الإنخراط في صراعات المحاور الدولية التي قد تعرقل مسارات التنمية والإعمار؛ كما أن تفعيل دور المؤسسات الإقليمية يمثل عنصرًا أساسيًا في معالجة القضايا المشتركة، خاصة تلك المرتبطة بالأمن، وإدارة الموارد، وتوطيد التعاون السياسي الإقتصادي، وفي هذا الإطار؛ يبرز السودان كدولة ذات موقع جيوسياسي مهم يربط بين مناطق متعددة في القارة، ويملك إمكانات تؤهله للعب دور محوري في تعزيز السلام والإستقرار الإقليمي؛ فموقعه الجغرافي المُطل على البحر الأحمر يمنحه بعدًا إستراتيجيًا إضافيًا يمكن توظيفه في دعم التواصل الإقتصادي مع الشرق الأوسط والعالم ككل، وتُعد عودة السودان إلى الفضاء الإفريقي الواسع وتفعيل دوره في مؤسساته خطوة مهمة نحو بناء شراكات فاعلة، تسهم في تحقيق التوازن والإستقرار، وتمهّد الطريق نحو مستقبل إفريقي أكثر إزدهارًا وتكاملًا.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى