الأعمدة

تعقيب على مقال عمار نجم الدين بعنوان «أبيي بين السيادة ووظيفة الدولة» سعد محمد عبدالله

تعقيب على مقال عمار نجم الدين بعنوان «أبيي بين السيادة ووظيفة الدولة»

سعد محمد عبدالله

طالعت ما كتبه عمار نجم الدين في مقاله الذي جاء تحت عنوان «أبيي بين السيادة ووظيفة الدولة»، في ظل الجدل السياسي والإعلامي وتباين الآراء بين كتّاب من السودان وجنوب السودان، حيث طرح رؤية تبدو في ظاهرها متوازنة، لكنها في جوهرها تميل إلى إعادة تعريف مفهوم السيادة بما يختزله في كفاءة تقديم الخدمات العامة، وهو طرح يتجاهل أن السيادة في القانون الدولي تنشأ من الإتفاقيات والحدود المعترف بها، ولا تزول بسبب قصور الدولة في أداء بعض وظائفها؛ فلو أصبح معيار الخدمات هو المحدد الوحيد للسيادة، لكانت دول عديدة قد فقدت شرعيتها تمامًا على أجزاء من أراضيها خلال فترات الحروب أو الكوارث أو الإحتلال المؤقت، وهو ما يخالف المبادئ المستقرة في القانون الدولي؛ كما أن الكاتب يغفل أن أبيي لم تكن منطقة مستقرة تسمح بقيام مؤسسات حكومية طبيعية، بل ظلت، منذ توقيع إتفاقية السلام الشامل، ساحة نزاع وتنافس سياسي وتدخلات أممية، الأمر الذي قيّد قدرة أي حكومة على ممارسة سلطاتها كاملة؛ ومن ثم، فإن تحميل الخرطوم وحدها مسؤولية غياب الخدمات لتبرير التدخلات الخارجية يمثل قراءة إنتقائية ونظرة أحادية الجانب، لا تراعي طبيعة النزاع ولا الإلتزامات المشتركة التي فرضها بروتوكول أبيي على الطرفين؛ فالسيادة ليست مجرد مستشفى أو مدرسة أو مركز شرطة أو طاحونة في ركن من أركان المنطقة، وإنما هي منظومة قانونية وسياسية متكاملة تحكمها الإتفاقيات الدولية والقرارات الملزمة، بينما تبقى الخدمات أحد واجبات الدولة الأساسية وحقًا أصيلًا للمجتمعات، وليست المصدر الذي تستمد منه الدولة حقها في الإقليم.

 

يوحي مقال عمار نجم الدين بأن إهتمام السودان بأبيي يظهر فقط عندما تتحول القضية إلى ملف سياسي أو تفاوضي، متجاهلًا أن هذا النزاع ظل، طوال سنواته، مرتبطًا بملفات الأمن والإستقرار، وحماية حقوق المجتمعات المحلية، والرعي الموسمي، وترسيم الحدود، وهي قضايا فرضت على الدولة التعامل مع أبيي بوصفها منطقة ذات وضع إستثنائي، والإيحاء بغير هذه الحقائق لا يبدل من الواقع حرفًا، ويستخدم الكاتب تعبير «السيادة الموسمية» ليمنح القارئ إنطباعًا متوهمًا بأن الدولة تستحضر أبيي فقط عند الحاجة السياسية، بينما يتجاهل عمدًا الظروف التي منعت إستكمال المؤسسات الإنتقالية، وفي مقدمتها تعنت الأطراف وإختلافها حول تعريف الناخبين المؤهلين للإستفتاء، إضافة إلى الإعتداءات الأمنية والتدخلات الخارجية التي عطلت تنفيذ بنود البروتوكول، ويغيب عن المقال أي تقييم لمسؤولية حكومة جنوب السودان في تعقيد المشهد من خلال خطوات أحادية، من بينها محاولة إدراج أبيي ضمن دوائرها الإنتخابية، والتي رفضتها حكومة السودان في أول ردة فعل، ثم تحولت القضية بعد ذلك إلى مادة للحوار السياسي والإعلامي في فضاءات السودان وجنوب السودان، وهي خطوة أثارت إعتراضات قانونية وسياسية لأنها تتجاوز الوضع الإنتقالي الذي نصت عليه الإتفاقيات؛ لذلك، فإن تصوير الأزمة وكأنها نتيجة غياب الخدمات فقط يختزل نزاعًا تاريخيًا وقانونيًا شديد التعقيد في زاوية واحدة، ويصرف الأنظار بعيدًا عن الأسباب الحقيقية التي حالت دون الوصول إلى تسوية نهائية.

 

أما في تناوله للتاريخ، فإن الكاتب عمار نجم الدين خلط بين الحقائق التاريخية والإستنتاجات السياسية، ومال ميلًا عظيمًا نحو المغالطات الإعلامية التي يصنع فيها كل كاتب سرديته الخاصة ويسوقها للرأي العام؛ فلا خلاف على أن مشيخات دينكا نقوك كانت جزءًا من ترتيبات إدارية مختلفة قبل عام 1905م، لكن ذلك لا يمنح وحده أساسًا قانونيًا لتحديد السيادة الحالية، لأن العلاقات التاريخية والإجتماعية لا تكفي لإعادة رسم الحدود بين الدول المستقلة؛ فالقانون الدولي يعترف بالحدود الموروثة عند الإستقلال، وهو المبدأ الذي إستندت إليه معظم الدول الإفريقية لتجنب فتح أبواب النزاعات الحدودية الممتدة بلا نهاية؛ كما أن الإشارة إلى الروابط الإجتماعية والثقافية بين دينكا نقوك والجنوب لا ينبغي أن تتجاهل الوجود التاريخي لقبائل المسيرية وحقوقها التقليدية في الرعي والتنقل، وهي حقوق إعترف بها بروتوكول أبيي نفسه، ولم يعتبرها مسألة هامشية، ومع كل هذه الحقائق، ينبغي الإعتراف جهرًا بالعلاقات الإنسانية الوطيدة التي تجمع بين سكان أبيي بمختلف ألوانهم وألسنتهم منذ عهود طويلة، ويجب إحترام ذلك؛ ومن هنا، فإن تقديم التاريخ من زاوية واحدة يؤدي إلى تكوين إنطباع غير مكتمل لدى القارئ، لأن أبيي ليست قضية مجتمع واحد أو ذاكرة واحدة، بل منطقة تداخل تاريخي وإجتماعي معقد لا يمكن إختزاله في رواية أحادية مهما بدت متماسكة.

 

أخيرًا، فإن القراءة التي يقدمها الكاتب عمار نجم الدين لبروتوكول أبيي تبدو في حالة رخاوة فكرية، وأقرب إلى النقد السياسي منها إلى التحليل القانوني المتوازن، وصحيح أن البروتوكول أنشأ وضعًا إنتقاليًا ظل يتأثر بظروف التحولات السياسية والأمنية في السودان وجنوب السودان، ولم تُحسم السيادة النهائية، لكن ذلك لا يمنح أي طرف الحق في إتخاذ أي إجراءات أحادية تغير من الوضع القانوني القائم، سواء كان ذلك بإجراء إنتخابات أو إنشاء مؤسسات سيادية خارج ما نصت عليه الإتفاقيات؛ وفي المقابل، فإن إخفاق تنفيذ الإستفتاء، مهما كانت أسبابه، لا يسقط الإلتزامات القانونية، ولا يحول الأمر الواقع إلى مصدر جديد للحقوق؛ لذلك، فإن المسؤولية لا تقع على الخرطوم وحدها، كما يوحي المقال، بل هي مسؤولية مشتركة تشمل الطرفين والمجتمع الدولي الذي تعثر في رعاية تنفيذ الإتفاق كما وعد؛ ومن ثم، فإن معالجة قضية أبيي تتطلب خطابًا أكثر توازنًا يميز بين النقد المشروع لأداء الدولة وبين التشكيك في أسسها القانونية، ويراعي مشاعر شعبين عاشا متجاورين عهودًا طويلة، ويجمعهما مصير مشترك؛ فالدفاع عن حقوق السكان وتحسين الخدمات لا ينبغي أن يتحول إلى مدخل لإضعاف الموقف القانوني للسودان أو إعادة تفسير الإتفاقيات وفق الأهواء الإعلامية، أو بما يخدم قراءة سياسية بعينها، بل يجب أن ينطلق من موقع إحترام المعاهدات الدولية والعمل على تنفيذها بصورة كاملة وعادلة تحفظ حقوق جميع مكونات المنطقة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى