
شيء للوطن م.صلاح غريبة – مصر Ghariba2013@gmail.com أجنحة النهضة: شراكات البنية التحتية ومستقبل الناقل الوطني
شيء للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com
أجنحة النهضة: شراكات البنية التحتية ومستقبل الناقل الوطني
يعيش قطاع الطيران المدني السوداني في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ بلادنا مخاضاً حقيقياً، تتضافر فيه الإرادة الوطنية مع التحركات الاستراتيجية لانتشال هذا القطاع الحيوي من كبوته، وإعادته إلى موقعه الطبيعي كرافعة أساسية للاقتصاد الوطني وجسر تواصل يربط السودان بالعالم. ولم يكن الحراك الأخير الذي يشهده القطاع، بشقيه المتمثلين في الناقل الوطني (سودانير) والبنية التحتية للمطارات، إلا دليلاً قاطعاً على أننا نقف على أعتاب مرحلة انتقالية تتطلب رؤية هندسية وإدارية شاملة لا تقبل التجزئة.
إن المتابع الحصيف للمشهد يدرك أن الخطوة التصحيحية البالغة الأهمية التي اتخذتها القيادة السياسية مؤخراً، بتعيين كفاءة وطنية من أبناء (سودانير) الخُلّص لقيادة الشركة في هذه المرحلة الحساسة، هي خطوة في الاتجاه الصحيح. فهذا التكليف الذي وُضع على عاتق قيادة خبيرة تمرست في قمرة القيادة وأروقة الإدارة، يمهد الطريق لاستقرار مؤسسي لطالما نادينا به في مبادرة “أصدقاء سودانير”. ولكن، وبصفتي مهندساً ميكانيكياً أمضى سنوات طوال في إدارة هندسة المطارات، أؤكد دائماً أن نجاح أي ناقل وطني لا يمكن أن يُحلق في الفضاء ما لم تكن له قواعد أرضية صلبة ومطارات حديثة تواكب المواصفات العالمية.
من منظور هندسي وفني بحت، تُعد المطارات منظومات ميكانيكية وإلكترونية ولوجستية معقدة، تتجاوز مجرد كونها مدارج للهبوط والإقلاع. إن كفاءة سيور العفش، وأنظمة التكييف المركزية، ومعدات المناولة الأرضية (Ground Handling)، وأنظمة تزويد الطائرات بالوقود، وصيانة المدارج؛ هي العصب الحقيقي الذي يحدد جودة الخدمات وتصنيف المطار دولياً.
وعليه، فقد تلقينا ببالغ التفاؤل والاهتمام مخرجات اللقاء الاستراتيجي الذي جرى مؤخراً بوزارة البنى التحتية والنقل، والذي جمع السيد الوزير والسيد مدير عام شركة مطارات السودان، مع وفد رفيع المستوى من سلطنة عُمان الشقيقة. هذا اللقاء الذي وضع على طاولة النقاش ملفات حيوية تمثل صميم أزماتنا وحلولها في آنٍ واحد، والمتمثلة في تأهيل وتشغيل المطارات: وهو ما يتقاطع مباشرة مع رؤيتنا لتحديث البنية التحتية المتهالكة وإدخال التكنولوجيا الحديثة في إدارة المرافق، وتطوير خدمات المناولة الأرضية: وهي الدجاجة التي تبيض ذهباً لأي قطاع طيران متكامل، وتحسينها يعني تقليل أوقات انتظار الطائرات (Turnaround Time)، مما ينعكس إيجاباً على الأداء التشغيلي والمالي، وبالتالي الدعم المباشر للخطوط الجوية السودانية: وهو اعتراف واضح بأن الناقل الوطني والمطارات هما وجهان لعملة واحدة.
إن انفتاح وزارة البنى التحتية والنقل على الاستثمارات العربية، وتحديداً مع سلطنة عُمان التي تمتلك تجربة رائدة ومستقرة في تطوير قطاعها اللوجستي ومطاراتها في مسقط وصلالة، يمثل فرصة ذهبية (Golden Opportunity) يجب اقتناصها بذكاء. نحن لا نبحث عن مجرد تمويل مالي، بل نبحث عن “شراكات استراتيجية ذكية” تضمن نقل المعرفة (Knowledge Transfer)، وتوطين التكنولوجيا، وتدريب الكوادر السودانية الشابة على أحدث المنظومات الهندسية والإدارية في قطاع الطيران.
لقد عانت “سودانير” لسنوات من ضعف البنية التحتية في محطتها الأم، مما أثر سلباً على قدرتها التنافسية. اليوم، ومع وجود قيادة جديدة للناقل الوطني مدعومة بقرارات حكومية تُلزم كافة الوزارات ذات الصلة بتقديم الدعم اللوجستي والمالي، تأتي هذه المباحثات مع الجانب العُماني لتكمل الصورة المفقودة. فتطوير خدمات المناولة الأرضية بالشراكة مع مستثمرين جادين، سيوفر لـ “سودانير” بيئة تشغيلية سلسة، ويخفض من تكاليفها التشغيلية الباهظة، ويمنح المسافر السوداني تجربة سفر تليق بكرامته.
نحن في المكتب التنفيذي لأصدقاء الخطوط الجوية السودانية بالقاهرة (سفر)، نضع عصارة خبراتنا الاستشارية، الهندسية منها والإدارية، لدعم هذا التوجه المحمود. ونرى أن الخطوات القادمة يجب أن تتركز على الشفافية وسرعة الإنجاز: ترجمة التفاهمات الأولية مع الوفد العُماني إلى مذكرات تفاهم ملزمة، ثم إلى عقود شراكة شفافة وفقاً لأفضل الممارسات الهندسية والقانونية، لضمان التنفيذ السريع بعيداً عن التعقيدات البيروقراطية، بجانب التكامل المؤسسي: إنشاء غرفة عمليات مشتركة تضم إدارة “سودانير”، وشركة مطارات السودان، وهيئة الطيران المدني، لضمان أن مشاريع تأهيل المطارات تخدم مباشرة خطط التوسع في شبكة الناقل الوطني، مع ضرورة التركيز على الكادر البشري: اشتراط تدريب المهندسين والفنيين السودانيين ضمن أي حزمة استثمارية قادمة لتأهيل المطارات، فهم صمام الأمان لاستدامة هذه المشاريع.
ختاماً، إن عبور قطاع الطيران المدني السوداني نحو آفاق العالمية ليس حلماً مستحيلاً، بل هو واقع يمكن تحقيقه متى ما تضافرت الرؤية الإدارية الثاقبة في قيادة الناقل الوطني، مع البنية التحتية الهندسية المتطورة المدعومة بشراكات استثمارية استراتيجية. فلنجعل من هذه اللقاءات والقرارات أجنحة قوية ترفع اسم السودان عالياً في سماء الطيران المدني مجدداً.
بقلم: المهندس/ صلاح غريبة
(رئيس المكتب التنفيذي لأصدقاء الخطوط الجوية السودانية بالقاهرة “سفر”، وخبير إدارة هندسة المطارات)